أحمد فارس الشدياق

229

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

أربه ، وإن علم أنه ارتكب ذلك اقتصّ منه كما يقتصّ من السارق ، ولم ينفعه أن يؤدّي الرشوة التي أخذها مضاعفة . نعم إن المراتب هنا إنّما تعطى غالبا بالمحاباة والاستحباب لا بالاستحقاق والاستيجاب ، فإنّ الأمير إذا نوّه بشخص من أقاربه ، أو معارفه عند ذي مرتبة وسيادة ، نفذت كلمته عنده ، ولو أنّ شخصا متّصفا بأحسن الأخلاق ومتحلّيا بالعلم والفضل حاول بنفسه أن ينال تلك المرتبة لم يلتفت إليه ، إلا أنّ هذا الداء عام في جميع الممالك . ويلحق بما تقدّم من تفضيل الاستحباب على الاستيجاب أنّ النفر من العسكر لا يمكن أن يرتقي إلى مرتبة ضابط ، وإن ارتقى ألف حصن للعدو ، وأبدى من الشجاعة والبراعة ما يقصّر عنه قائد الجيش ، فهو نفر من يوم اكتتابه إلى يوم خروجه من الخدمة والحياة ، وبعد أن يقضي خمسا وعشرين سنة في الخدمة يعفى منها ، ويعيّن له نحو أربعة قروش في اليوم . والأمير أمير من يوم ينزل من ظهر أبيه إلى يوم يركب ظهر النعش ، ثم يدوم ذكره كذلك إلى أبد الآبدين ، فكأنّ ترتيب أصناف الناس عندهم بمنزلة ترتيب أعضاء الجسد ، بمعنى أنّ لكلّ عضو خاصّيّة ووظيفة لا يتعدّاها ولا تتعدّاه ، فالرأس لا يزال رأسا وإن سرى فيه الخرف والفند « 212 » ، والعور ، والصمم والدرد « 213 » ، والقدم لا تزال قدما وإن هي أنجته ، وأنجت الجسم كله . وهذا التخصيص من وجه آخر سديد رشيد ، فإنّ ناظر الأمور الخارجية عندهم مثلا ليس له حقّ في أن يدمق « 214 » على ناظر الأمور الداخلية في شيء ، وناظر مجلس المشورة ليس له جدارة بأن يحكم على أحد الباعة بشيء من محراب صرحه . وقس على ذلك ، فأمّا في بلادنا حرسها الله فإنّ ناظر المدابغ جدير بأن ينظر في جلود بني آدم ، ويصبغها بلون الدرة والسوط ، أو يسبر ما هي عليه من الطراوة والنعومة . والمحتسب خليق بأن يزن أعمال عباد الله وأموالهم في بيوتهم ويروز ما في عباب صدورهم من الخواطر والأفكار ، وللحاكم ، أو للمطران أن يسقط حقّ المحق

--> ( 212 ) الفند : ضعف الرأي - الهرم . ( م ) . ( 213 ) الدرد : سقوط الأسنان . ( م ) . ( 214 ) يدمق : يدخل بغتة دون إذن . ( م ) .